فخر الدين الرازي

228

شرح عيون الحكمة

وأما « الحكيم الأول « 6 » » فقال : « الجدل تحصيل صناعة يتمكن بها الانسان أن يأتي بالحجة على كل ما يوضح مطلوبا ، من مقدمات ذائعة ، وأن يكون إذا أجبنا لم يوجد منا ما يناقض به وضعنا » ثم قال : « والصناعة ملكة نفسانية يقتدر بها على استعمال موضوعات ، نحو غرض من الأغراض على سبيل الإرادة ، صادرة عن بصيرة بحسب الممكن فيها » ثم قال : « وليس من شرط هذه الصناعة أن تكون القدرة المذكورة حاصلة أبدا ، بل بحسب الممكن . فان الخطيب هو الذي يفيد الاقناع ، لا مطلقا ، بل بحسب الامكان . فكذا هاهنا الجدلي هو الذي يقوى على الفعل المذكور ، لا مطلقا بل بحسب الامكان » المسألة الرابعة في منافع الجدل أعلم : أن تركيب القياسات عن المشهورات أو المسلمات : فيه منافع بالذات ، ومنافع بالعرض . أما التي بالذات فأمور : الأول - وهو الفائدة الكبرى - : ان مصالح الانسان في الدنيا والآخرة ، لا تتم إلا باعتقاد ثبوت راسخ في ثبوت المبدأ والمعاد . والاعتقاد في ثبوت المبدأ لا يتم الا باعتقاد ثبوت موجود واجب الوجود لذاته ، منزه عن الشبيه والضد ، موصوف بصفات الجلال والاكرام . وهذه العقائد لو لم تكن مستندة بنوع من الحجة ، ضعفت وتعرضت للزوال ، بأدنى خيال . وان وقفناها على الإحاطة بالبراهين اليقينية ، عجز الأكثرون عن تصورها والوقوف عليها ، فلم يبق الا أن نقررها في قلوب الجمهور بدلائل

--> ( 6 ) أرسطوطاليس .